الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

80

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

ولا أبعثك الا لثقتى بك فأقسم عليه أن لا يدنو من أهله فقال آزر أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجته ثم قال لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أمّ إبراهيم لم يتمالك حتى واقعها فحملت بإبراهيم * قال ابن عباس لما حملت أمّ إبراهيم قالت الكهان لنمروذ ان الغلام الذي أخبرناك به قد حملت أمّه الليلة به فأمر نمروذ بذبح الغلمان فلما دنت ولادة أمّ إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء ورجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت وان الولد في موضع كذا فانطلق أبوه وأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر فواراه فيه وسدّ عليه بابه بصخرة مخافة السباع وكانت أمّه تختلف إليه فترضعه وقال محمد بن إسحاق لما وجدت أمّ إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصنع للمولود ثم سدّت عليه فم المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص في ابهامه يقال إن تلك المغارة في قرية برس من بلاد الكوفة * روى أن أمّ إبراهيم قالت ذات يوم لأنظرنّ إلى أصابعه فوجدته يمص من إصبع ماء ومن إصبع لبنا ومن إصبع عسلا ومن إصبع تمرا ومن إصبع سمنا * وقال محمد بن إسحاق كان آزر قد سأل أمّ إبراهيم عن حملها ما فعل به قالت قد ولدت غلاما فمات فصدّقها وسكت عنها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة الا خمسة عشر شهرا حتى قال لامّه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض وقال إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربى الذي ما لي إله غيره وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب وفي رواية كانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويرون أن الأمور كلها إليها ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبا فقال هذا ربى على وجه الاستفهام الانكارى بحذف أداته ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فقال لا أحب الآفلين * وفي أنوار التنزيل رآه إبراهيم زمان مراهقته وأوّل أوان بلوغه ثم رأى القمر بازغا مبتدئا في الطلوع فقال هذا ربى وأتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب ثم طلعت الشمس وهكذا إلى آخره ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه فأخبره أنه ابنه وأخبرته أمّ إبراهيم أنه ابنه وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسرّ آزر بذلك وفرح فرحا شديدا وقيل إنه كان في السرب سبع سنين وقيل ثلاث عشرة سنة وقيل سبع عشرة سنة قالوا فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لامّه من ربى قالت أنا قال فمن ربك قالت أبوك قال فمن رب أبى قالت نمروذ قال فمن رب نمروذ قالت له اسكت فسكت ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذي كنا نحدّث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه فقال له إبراهيم يا أبتاه من ربى قال أمّك قال فمن رب أمي قال أنا قال فمن ربك قال نمروذ قال فمن رب نمروذ فلطمه لطمة شديدة وقال له اسكت فلما جنّ عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا فقال هذا ربى ويقال إنه قال لأبويه أخرجانى فأخرجاه من السرب وانطلقا به حتى غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم فسأل أباه ما هذه فقال إبل وخيل وغنم فقال ما لهذه بدّ من أن يكون لها رب وخالق ثم نظر إلى المشترى وقد طلع ويقال الزهرة وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فيها فرأى الكوكب قبل القمر ثم القمر ثم الشمس بعده فقال في كلّ هذا ربى إلى آخره ثم قال يا قوم انى برئ مما تشركون انى وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين روى أنه لما رجع إبراهيم إلى أبيه وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين ضمه آزر إلى نفسه وجعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها فيذهب بها إبراهيم وينادى من يشترى ما يضرّه ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بات ذهب بها إلى نهر فصوّب فيه